ساحرة

هل إتيان السحرة ونحوهم من أجل حل السحر عن المسحور جائز أم لا ؟

قول بعضم بأن استعمال السحر و اللجوء إلى السحرة جائز عند الاضطرار إليه، خصوصا عند الرغبة في إزالة السحر عن المسحور، و قول البعض الآخر عكس ذلك هي أمور تقع في المجال الديني. اعلم وفقك الله أن العلماء قد يختلفون في حكم مسألة من مسائل الدين فيدلي كل منهم بدليله وحجته وبما أحاط به علمه واجتهاده، وغايتهم الوصول إلى الحق، ومطلبهم معرفة الحكم بدليله، وهم إما مصيب فله أجران، وإما مخطئ فله أجر واحد، فالعالم قد يخفى عليه حكم بان لغيره فيه دليله، فالواجب على من وقف على أقوالهم  واطلع على حججهم وأدلتهم أن يعرضها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمرنا الله بذلك في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } فما كان منها موافقا للكتاب والسنة أخذ به، وما كان مخالفا لهما طرح به ولا حرج

ومن المعلوم أن من لازم الشهادة بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، فالأخذ بما خالف ذلك قدح في تلك الشهادة بلا ريب. فالواجب على من علم حكم الشرع بدليله، واستبانت له سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر من الأمور أن لا يعدل عنها، ولا يتبع أحدا في مخالفتها، كائنا ما كان، فالسنة قاضية على قول كل أحد، صحابيا كان أو من دونه في العلم والمنزلة، فإن الله قد فرض طاعة رسوله على كل أحد وفي كل حال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة النص والاجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء، فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية

والداعي إلى ذكر أقوال الفقهاء في هذه المسألة هو بيان ما وقعوا فيه من الخطأ وتصحيحه، لئلا يغتر جاهل، أو يتصدر مقلد، وإلا فالحق قد بان في هذه المسألة وانجلى، ونصوص السنة قد تتابعت في قطع كل طريق يوصل إلى السحرة وسؤالهم، بل جعلت السيف حدا في رقابهم، فإياك أن تغتر بكثرة شيوعهم وانتشارهم في كثير من البلدان، وتهافت الناس عليهم كتهافت الفراش على النيران، فإن الفعل غير المشروع يجب الحذر والتحذير منه، وإن كثر فاعلوه وقل منكروه، قال العلامة ابن مفلح رحمه الله تعالى: ينبغي أن يعرف أن كثيرا من الأمور يفعل فيها كثيرا من الناس خلاف الأمر الشرعي ويشتهر ذلك بينهم ويقتدي كثير من الناس بهم في فعلهم، والذي يتعين على العارف مخالفتهم في ذلك قولا وفعلا ولا يثبطه عن ذلك وحدته وقلق الرفيق أ.ه

وإليك الآن الجواب عن أدلة القائلين بالجواز

أما قولهم وأن الإمام أحمد رحمه الله قد توقف في حكم إتيان السحرة ونحوهم من أجل حل السحر عن المسحور حينما سؤل عن ذلك، فالجواب أن يقال: قد دلت السنة الصحيحة من وجوه عديدة على عدم جواز إتيانهم وسؤالهم والتداوي وأدويتهم ونشرهم كما سبق بيانه قبل، فليد لأحد أن يقدم قول عالم، أو توقف إمام في مسألة من مسائل الدين على قول النبي صلى الله عليه وسلم فيها

ثم إن الإمام أحمد رحمه الله لم يقل بجواز إتيان السحرة ونحوهم والتداوي وأدويتهم ونشرهم، بل المعروف عنه خلافه كما سيأتي، وليس في قصة ذلك الرجل ما يدل أنه يجيز ذلك، بل لما نقل له السائل طريقة ما يصنعه ذلك الرجل من أنه يجعل  في الطنجير ماء ويغيب فيه، نفض يده كالمنكر له وقال: لا أدري ما هذا؟ قيل له: أفترى أن يأتي مثل هذا؟ قال: لا أدري ما هذا؟

فكيف يقال أنه توقف في ذلك، قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تيسير العزيز الحميد: وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه، وكيف يجيزه؟ (أي الإمام أحمد) وهو الذي روى الحديث أنها من عمل الشيطان، ولكن لما كان لفظ النشرة مشتركا بين الجائزة والتي من عمل الشيطان، ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا أنه أجاز التي من عمل الشيطان وحاشاه من ذلك أ.ه

وقد جاءت الكراهة عنه صريحة في هذا كما في رواية الفرج بن علي الصباح البرزاخي عنه: في الرجل يزعم أنه يعالج المجنون من الصرع بالرقى والعزائم، ويزعم أنه يخاطب الجن ويكلمهم، ومنهم من يخدمه ويحدثه، قال: ما أحب لأحد أن يفعله وتركه أحب إلي

فمن ظن أن الإمام أحمد توقف في حكم إتيان أولئك فقد أخطأ في ظنه، وغلط في فهمه

وأما أثر سعيد بن المسيب، فيجاب عنه كما أجيب عن توقف الإمام أحمد أولا، وأما ثانيا: فليس فيما قاله رحمه الله تعالى ما يدل على أنه يجيز النشرة الممنوعة أو إتيان السحرة لحل السحر عن المسحور أو نحو ذلك، وحاشاه من ذلك، وأنت إذا جمعت الروايات المروية عنه في هذه المسألة وتأملتها حق التأمل، بان لك بأن النشرة التي أجازها إنما هي المشروعة منها فحسب، والتي هي من جنس الرقى والتعاويذ، لا النشرة الممنوعة، وأن الذين جوز إتيانهم لحل السحر عن المسحور هم بعض أصحابه وتلامذته، ومن كانوا معروفين بالصلاح والاستقامة، لا السحرة، والكهان، ونحوهم

فمن تلك الروايات أن قتادة قال لسعيد بن المسيب: رجل طب بسحر، نحل عنه؟ قال: نعم، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل، وفي رواية: إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل، وفي رواية: لا بأس، إنما تريدون بذلك الإصلاح، وفي رواية: أن قتادة قال: سألت سعيد بن المسيب عن النشر فأمرني بها، قال: قلت: أرويها عنك؟ قال: نعم

ومثله ما جاء عن عطاء الخراساني رحمه الله تعالى قال إسماعيل بن عياش: سألت عطاء الخراساني عن المؤخذ عن أهله والمسحور، نأتي نطلق عنه، قال: لا بأس بذلك إذا اضطر إليه

وقد عرفت أن فقهاء أهل العراق قفي مقدمتهم الحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرهما، كانوا يكرهون أنواعا من الرقى والتعاويذ ومنها النشرة، وكان أهل الحجاز يجيزونها كغيرها من الرقى والتعاويذ المشروعة، فأشكل ذلك على قتادة رحمه الله فصار يكثر من سؤال سعيد بن المسيب عنها، وكان سعيد يجيبه بأنه لا بأس بها، وأن الله تعالى نهى عما يضر، ولم ينه عما ينفع، وصدق سعيد، فإن النشرة المشروعة تنفع بإذن الله ولا تضر، ولو كان مراده النشرة الممنوعة وإتيان السحرة ونحوهم لخالف دليله فتواه، لأن قوله: إنما نهى الله عما يضر يقتضي حرمة ذلك، لأن الشرع قد نهى عن تلك النشر وعن إتيان السحرة ونحوهم، وأي ضرر على العبد أعظم من تكذيبه بالقرآن وعدم قبول صلاته أربعين ليلة؟! وقد كان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى يفتي بقتل السحرة بعد إقرارهم، فكيف يجوز إتيانهم؟ فمن نسب إليه القول بجواز ذلك فقد قوله ما لم يقل، وأخطأ في فهم ما عنه نقل

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: [من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل ]، فمراده صلى الله عليه وسلم ما شرع الانتفاع به، فهو عام مخصوص لا حجة لهم فيه، قال الحافظ: “وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه ما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، ومالا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطا” يشير رحمه الله إلى قوله صلى الله عليه وسلم حينما سأله عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: [اعرضوا علي رقاكم، لا بأس في الرقى ما لم يكن فيه شرك]، ويدل على هذا التخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: [تداووا ولا تداووا بحرام] وقوله صلى الله عليه [وسلم: [إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليك

فكل رقية أو نشرة محرمة لا يشرع الانتفاع بها، لأنها داء وليسم دواء، وفي الحديث: [ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه] وأي نفع في إتيان السحرة والكهان ونحوهم، والاسترقاء برقاهم !ونشرهم المشبوهة؟

وأما قولهم بأن ذلك جائز عند الاضطرار إليه، استنادا على قاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات، فالجواب أن يقال بأن إتيان السحرة والكهان ومن هم على طريقهم وسؤالهم والتداوي بأدويتهم ورقاهم ليس هو من باب الضرورات التي تستلزم إباحة المحظورات، كأكل الميتة مثلا، لأن حكم التداوي ليم بواجب في أصل الشرع وإنما هو من الأمور المباحة والمشروعة كما هو قول جمهور أهل العلم، وإنما اختلفوا: هل الأفضل تركه أم فعله، أما الأكل من الميتة فهو واجب على من اضطر إليه لأن حاجته لا تندفع إلا به قطعا، وليس له عنه عوض، أما المسحور فله عن إتيان السحرة والتداوي بأدويتهم عوض، وهو التداوي بما شرعه الله له، فلا يقاس هذا بهذا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “والذين جوزوا التداوي بالمحرم قاسوا ذلك على إباحة المحرمات كالميتة والدم للمضطر، وهذا ضعيف لوجوه:

أحدها: ان المضطر يحصل مقصوده يقينا بتناول المحرمات، فإنه إذا أكلها سدت رمقه، وأزالت ضرورته، وأما الخبائث بل وغيرها فلا يتيقن حصول الشفاء بها، فما أكثر من يتداوى ولا يشفى، ولهذا أباحوا دفع الغصة بالخمر لحصول المقصود بها، وتعينها له، بخلاف شربها للعطش، فقد تنازعوا فيه، فإنهم قالوا: إنها لا تروي

الثاني: أن المضطر لا طريق له إلى إزالة ضرورته إلا الأكل من هذه الأعيان، وأما التداوي فلا يتعين تناول هذا الخبيث طريقا لشفائه، فإن الأدوية أنواع كثيرة، وقد يحصل الشفاء بغير الأدوية، كالدعاء والرقية، وهو أعظم نوعي الدواء

الثالث: أن أكل الميتة للمضطر واجب عليه في ظاهر مذهب الأئمة وغيرهم، كما قال مسروق: من اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار. وأما التداوي فليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة، كما قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.. ـ إلى أن قال ـ وإذا كان أكل الميتة واجبا، والتداوي ليس بواجب لم يجز قياس أحدهما على الآخر.. ـ إلى آخر ما قاله ـ رحمه الله

وقال ابن العربي: فإن قيل: التداوي حال ضرورة والضرورة تبيح المحظورات، فالتداوي بالحرام مباح، قلنا: التداوي ليس حال ضرورة وإبما الضرورة ما يخاف معه الموت من الجوع، فأما التطبب في أصله فلا يجب، فكيف يباح فيه الحرام؟

جوابا عن سحر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

وأما قصة الجارية التي سحرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وقيام بني أخيها بسؤال ذلك الرجل عن مرضها، وفي رواية أنه دخل على عائشة وأخبرها بأنها مطبوبة.

أولا: ليس في القصة التصريح بأن ذلك الرجل المسئول ساحر أو كاهن، بل جاء في بعض الروايات أنه رجل من السند، وفي رواية من الزط قدم المدينة يتطبب، أي يظهر الطب والعلاج، فحاله الظاهر معلوم أما الباطن فمجهول، ولا يلزم من كونه أخبرهم أن عائشة رضي الله عنها مسحورة وأن التي سحرتها جارية لها، وأن في حجر تلك الجارية صبيا قد بال فيه، لا يلزم من ذلك أنه ساحر أو كاهن، وأن تلك الأمور قد يستدل عليها بقرائن وعلامات تظهر على المطبوب وتخبر بواقع حاله يعرفها المتمرسون في هذه الصنعة، ففي بعض الروايات أن بعض بني أخيها ذكروا شكواها لذلك الرجل، وأنه قال لهم: إنكم لتذكرون امرأة مسحورة، فجوابه وتشخيصه لحالها إنما وقع بعد وصفهم لحالها له، فلازم الحكم ليس بلازم، فمن ادعى أن المسئول ساحر أو كاهن فعليه الدليل

ثم هب أنه بان بجوابه لهم أنه ساحر أو كاهن، فإنه كان مجهولا لدى عائشة وبني أخيها قبل سؤاله، فهم معذورون بسؤاله لجهالة حاله عندهم، ولو كان أمره معلوما قبل سؤاله لأخبرت عنه عمرة بنت عبد الرحمان التي روت هذه القصة. ولقالت بأن الذي دخل على عائشة، أو أن الذي شكا إليه بنو أخيها رجل ساحر أو كاهن بدلا من قولها بأنه رجل سندي يتطبب، ثم هل سألوه حل علنها بعدما تبين حاله، وأخبرهم بأنها مسحورة؟ هذا ما لم يقع، فبطل بهذا الاستدلال بهذه القصة على جواز سؤال السحرة حل السحر

ثانيا: أن في القصة ما ينقض دعوى أن عائشة رضي الله عنها تجيز أو تقر سؤال السحرة ونحوهم؛ وذلك لأن الجارية لما اعترفت أنها سحرتها لم تسألها عائشة أن تحل عنها السحر الذي صنعته لها، وهي أولى بالسؤال من ذاك الرجل، بل أمرت ببيعها، ثم إنها مكثت ما شاء الله من الزمان وهي على مرضها، ثم إنها رأت في النوم أن اغتسلي من ثلاث أبؤر يمد بعضها بعضا فإنك تشفين، فاغتسلت، فشفيت

ثالثا: على تقدير أن في القصة دلالة على المدعى، فإنه لا قول لأحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يصح الاستدلال بفعل عائشة رضي الله عنها مع قول النبي صلى الله عليه وسلم في المسألة، هذا على تقدير أن في القصة دلالة على ذلك، وقد عرفت أن القصة لا دلالة فيها، بل فيها نقض ما زعموا و الحمد لله

وبذلك تبطل كل شبهة يمكن التمسك أو الاستدلال بها على جواز إتيان السحرة ونحوهم، وسؤالهم حل السحر عن المسحور، أو التداوي بأدويتهم ورقاهم، وتصديقهم في ذلك، وبان لك أخي القارئ أن أدلة الشرع صريحة في المنع من ذلك لا دافع لها، وأن الوعيد الشديد مرتب على إتيان أولئك وسؤالهم وتصديقهم، فكن على حذر من ذلك، وإياك أن تغتر بكثرتهم وانتشارهم في بعض البلدان، واستغلالهم للسذج من الناس ممن يغلب عليهم الجهل والغفلة، نسأل الله العافية، والواجب على ولاة أمور المسلمين وأهل الحسبة وغيرهم ممن لهم قدرة وسلطان، إقامة حكم الشرع في أولئك السحرة والكهان ونحوهم من المنجمين والمشعوذين، والانكار والتضييق عليهم، ومنعهم ممارسة ضلالاتهم ومنكراتهم، وتحذير الأمة منهم، والانكار عمى من يجيء إليهم

والله المسؤول أن يطهر بلاد المسلمين من أولئك الأشرار، وأن يقي المسلمين شرهم وأذاهم، وأن يحفظ عليهم دينهم، ويهديهم إلى صراطه المستقيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *